144

Fri04202018

أخر تحديث07:28:04 PM غرينيتش

لحظة أحساس

الزمن بالنسبة لي توقف يوم أن مات والدي وبالرغم من اختلاف الليل والنهار فالظلام يسري في حياتي لم اعد أميز الألوان فكلها في عيني سوداء وفي أحسن الأحوال بتدرجات الرمادي.
اذكر جيداً موت أبي يومها استقبلت الخبر بذهول صحبه وجوم ولم اعد أحس بما حولي وصياح أمي وإخوتي انقلب إلى دوي في أذني وغابت عن ناضري  المعالم وكأني في غيبوبة أو سبات طويل لا أصحو إلا على دموعي تسيل على خدي خلالها اسمع وأرى وأعي ما حولي وسرعان ما أعود إلى ذهولي ووجومي , ووضع أبي في قبره كان من لحظات صحوي وكانت آخر عهدي بحواسي وأحاسيسي.
يوم دفن والدي دفنت معه.. فرحي.. سعادتي.. سروري.. ابتهاجي.. أحلامي.. طفولتي, وأصبح الألم جزاءً مني يعشعش ويسكن بين جوانحي أصبحت الكلمات المبهجة كالفرح والسعادة والجمال غريبة عني لا أستسيغها ولا اهضمها وكلمة أب أتهيب منها ولا أستطيع نطقها أو إخراجها على لساني ولو حتى في خلواتي فقط أستطيع تخيل حروفها أو كتابتها.
أحياناً أخطئ واسترسل في الكلام مع أقراني فأشعر بالفارق الكبير بيني وبينهم همومهم وتطلعاتهم صغيرة على شاكلتهم تدور همومهم حول المصروف اليومي واليوم الدراسي وتطلعاتهم بالكاد تبلغ السنة الدراسية القادمة وهدية النجاح وبذلة العيد.. بينما أنا اليتيم معاناتي ومشاكلي تنوء عن حملها كواهل الرجال فانا أنام على الخوف وأصحو على القلق اليوم بالنسبة لي ينقسم إلى 24 كارثة وكل كارثة تندرج تحتها 60 معاناة وكل معاناة تشمل 60 إساءة.
هذه هي السنة الثانية من وفاة والدي خضت خلالها حرباً ضروساً مع الحياة وفي أكثر من ملحمة ذقت فيها الحرمان مخلوطاً بالجوع تنقلت في مهن مختلفة كصبي في مطعم وفي ورشة سيارات وفي ورشة نجارة وفي الجولات كبائع تغير لوني من الأبيض إلى اللون الأسمر بفعل حرارة الشمس وعندما أعود يومياً قبيل المغرب أكون قد استحممت بعرقي وعند عودتي لامي وإخوتي يتحلقون حولي فيختفي التعب والإرهاق والانكسار وأنا أرى نظرة الفرح في عيونهم والبسمة تعلو شفاههم فيغمرني شعور بالأبوة نحو إخوتي حتى نحو أمي.
ورب ضارة نافعة فالألم والمعاناة والحرمان أصبحت عوامل قوة لي ودافع نجاح فالجوع علمني الصوم والخوف علمني الشجاعة والبرد علمني الصبر وأصبحت أرى الأمور بعقلي لا بعاطفتي أرى المنظر بعين العاقل الكبير الذي عركته الحياة وعركها أصبحت صلب العزيمة قوي الإرادة لا أعرف معنى الانكسار أو الهزيمة كشاب في مقتبل العمر وكأن الله بعدله يعوضني عن يتمي أصبحت أرى المستقبل معي .. في صالحي يمد يديه يحتضنني بينما ابتسامة تظهر على ثغري وصِفها كيفما شِئت ابتسامة استخفاف ابتسامة سخرية .
بقلم / عبد العزيز العرشاني

مشروع إفطار الصائم

من رصيد جوالك إلى رصيد حسناتك

زكاتك نجاتك